الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

105

نفحات القرآن

نقطة واحدة ، فاستدلالنا بهذا الشكل يثبت لنا خطأ ما نشاهده من بعيد . في الحقيقة إن قضية امتناع اجتماع النقيضين التي تدرك بالعقل تشكل حجر الأساس لجميع الاستدلالات ، وعليه فلا يؤخد بالدليل الحسي دون الاستناد إليها . 3 - فضلًا عما سبق ، فإنّ ما ندركه بالحس هو ظاهر الأشياء ، وما نرى من الجسم بالحس مجرد مظهره لا شيء آخر ، وعليه فبدون تدخل الإدراكات العقلية لا نستطيع معرفة حقيقة الجسم . قد يقال : إنّ الحواس لا دور لها لوحدها بل يجب الاستعانة بالإدراكات العقلية حتى في العلوم التجريبية ، لكن ينبغي الاذعان إلى هذه الحقيقة - وهي أنّ جميع الإدراكات العقلية حصلت بواسطة الحواس وكما يقول « جان لاك » الفيلسوف الإنجليزي المعروف : « لا شيء في العقل لم يوجد قبله في الحس » . إنّ هذه الجملة التي أصبحت مثلًا وبقيت ذكرى منه تدل على أنّ الذهن كان كاللوحة البيضاء في البداية وقد ينقش عليها بعد ذلك بواسطة الحواس ، وأن لا وظيفة للعقل غير « التجريد » و « التعميم » أو « التحليل » و « التركيب » لمدركات الحواس . لكن هذا خطأ فظيع ، وذلك لأنّ علمنا بأنفسنا ( الذي هو علم حضوري ) لم يحصل بواسطة الحواس ، كذلك علمنا بوجود الحواس ، أو علمنا باستحالة اجتماع النقيضين لم يحصل عن طريق الحواس ، فنحن ندرك محالة أن نكون موجودين ومعدومين في آن واحد وإن لم نملك حواساً ، كذا الأمر بالنسبة لقضايا أخرى لا حاجة فيها إلى الحواس . وتوجد أبحاث كثيرة في هذا المجال لو أسهبنا فيها لابتعدنا عن هدف هذا الكتاب ، وتَطَرُّقُنا لبعضها هنا كان بهدف توضيح نظريتي « الحسيين » و « العقليين » الذين حصروا سبل المعرفة في بُعد واحد ، وأن نظريتيهما سقيمتان وأن كلًا من « الحس » و « العقل » يشكلان منبعاً ومصدراً للإدراك ، كما انعكس ذلك في القرآن المجيد .